فخر الدين الرازي
81
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الأمر ظرفا ترك على حالة الأكثرية ، والدليل عليه إجماع القراء والعرب في قوله : مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ [ الأعراف : 168 ] ولا يرفع ذلك أحد . ومما يقوي النصب قوله : وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ [ القارعة : 3 ، 4 ] وقوله : يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [ الذاريات : 12 ، 13 ] فالنصب في يَوْمَ لا تَمْلِكُ مثل هذا . المسألة الرابعة : تمسكوا في نفي الشفاعة للعصاة بقوله : يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وهو كقوله تعالى : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً * [ البقرة : 48 ] والجواب : عنه قد تقدم في سورة البقرة . المسألة الخامسة : أن أهل الدنيا كانوا يتغلبون على الملك ويعين بعضهم بعضا في أمور ، ويحمي بعضهم بعضا ، فإذا كان يوم القيامة بطل ملك بنى الدنيا وزالت رئاستهم ، فلا يحمي أحد أحدا ، ولا يغني أحد عن أحد ، ولا يتغلب أحد على ملك ، ونظيره قوله : وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ وقوله : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [ الفاتحة : 4 ] وهو وعيد عظيم من حيث إنه عرفهم أنه لا يغني عنهم إلا البر والطاعة يومئذ دون سائر ما كان قد يغني عنهم في الدنيا من مال وولد وأعوان وشفعاء . قال الواحدي : والمعنى أن اللّه تعالى لم يملك في ذلك اليوم أحدا شيئا من الأمور ، كما ملكهم في دار الدنيا . قال الواسطي : في قوله : يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً إشارة إلى فناء غير اللّه تعالى ، وهناك تذهب الرسالات والكلمات والغايات ، فمن كانت صفته في الدنيا كذلك كانت دنياه أخراه . وأما قوله : وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ فهو إشارة إلى أن البقاء والوجود للّه ، والأمر كذلك في الأزل وفي اليوم وفي الآخرة ، ولم يتغير من حال إلى حال ، فالتفاوت عائد إلى أحوال الناظر ، لا إلى أحوال المنظور إليه ، فالكاملون لا تتفاوت أحوالهم بحسب تفاوت الأوقات ، كما قال : لو كشف / الغطاء ما ازددت يقينا ، و كحارثة لما أخبر بحضرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « كأني أنظر وكأني وكأني » واللّه سبحانه وتعالى أعلم ، والحمد للّه رب العالمين .